محمد بن احمد الأطعاني البسطامي

65

روضة الحبور ومعدن السرور في مناقب الجنيد البغدادى وإبي يزيد طيفور

إلهي إن كان في سابق علمك أنك تعذب أحدا من خلقك بالنار فعظم خلقي فيها حتى لا تسع معي غيري . وأنشد شعرا في ذلك : ولو قلت جد بالكل منك لنا لما * تأبيت فيما قلته عند ذلك ولو وضع المعشار مني على لظى * لضجت من التعظيم في وجه مالك فحبك فرض كيف لي بأدائه * ولست لفرض ما حييت بتارك « 1 » وجلس قوم إلى أبي يزيد ، فأطرق مليا ، ثم رفع رأسه إليهم ، وقال : منذ جلستم هو ذا أجبل فكري التمس حبة عفنة أخرجها إليكم تطيقون حملها فلم أجد . وجاء رجل إلى أبي يزيد ، فقال : أوصني ؟ فقال : انظر إلى السماء [ ق 25 / ب ] فنظر ، فقال له أبو يزيد : من خلق هذا ؟ قال : اللّه . قال : إن من خلقها مطلع عليك حيث كنت أنت فاحذره . وقال : ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر . وقال : عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشد علي من العلم ومتابعته ، ولولا اختلاف العلماء لبقيت ، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد . وقال : لا يعرف نفسه من صحبته شهوة ، الجنة لا خطر لها عند المحبين ، وأهل المحبة محجوبون بمحبتهم . وقال : طوبى لمن كان اللّه همه ، وطوبى لمن كان هما واحدا ، ولم يشغل قلبه عبارات عيناه وسمعته أذناه ، ومن عرف اللّه فإنه يزهد في كل شيء يشغله عن اللّه ، زمن سمع الكلام ليتكلم به مع الناس رزقه اللّه فهما يكلم به الناس ، ومن سمعه ليعمل به رزقه اللّه فهما يناجي به ربه ، وسئل : بماذا يستعان على العبادة ؟ فقال : باللّه إن كنت تعرفه . وحكي أن قوما كانوا يستسقون بالبصرة فتقدم واحد من بعض الناس ، وقال : له بحق هذا الرأس ، وما فيه أن تسقيني ، فصارت السماء كأفواه القرب ، وانصرف الرجل إلى منزله فقال بعض من رأى ذلك منه : أن أقف وأثره

--> ( 1 ) نقلا عن النور ( ص 77 ) .